ابن خلدون

68

رحلة ابن خلدون

ولحق بمرّاكش ، ولزم العالم الشهير أبا العبّاس بن البنّاء « 84 » الشهير الذكر ، فحصّل عنه سائر العلوم العقلية ، وورث مقامه فيها وأرفع ، ثم صعد إلى جبال الهساكرة ، بعد وفاة الشيخ ، باستدعاء علي بن محمد بن تروميت ، ليقرأ عليه ، فأفاده ، وبعد أعوام استنزله ملك المغرب ، السّلطان أبو سعيد ، « 85 » وأسكنه بالبلد الجديد ، والآبليّ معه . ثم اختصّه السّلطان أبو الحسن ، ونظمه في جملة العلماء بمجلسه ، وهو في خلال ذلك يعلّم العلوم العقلية ، ويبثّها بين أهل المغرب ، حتى حذق فيها الكثير منهم من سائر أمصارها ، وألحق الأصاغر بالأكابر في تعليمه . ولمّا قدم على تونس في جملة السّلطان أبي الحسن ، لزمته ، وأخذت عنه الأصلين ، والمنطق ، وسائر الفنون الحكمية ، والتّعليميّة ؛ وكان رحمه الله ، يشهد لي بالتّبريز في ذلك . وممّن قدم في جملة السّلطان أبي الحسن : صاحبنا أبو القاسم عبد الله بن يوسف بن رضوان المالقي . « 86 » كان يكتب عن السّلطان ، ويلازم خدمة أبي محمد عبد المهيمن رئيس الكتّاب يومئذ ، وصاحب العلامة التي توضع عن السّلطان أسفل المراسيم والمخاطبات ، وبعضها يضعه السّلطان بخطّه . وكان ابن رضوان هذا من مفاخر المغرب ، في براعة خطّه ، وكثرة علمه ، وحسن سمته ، وإجادته في فقه الوثائق ، والبلاغة في التّرسيل عن السّلطان ، وحوك الشعر ،

--> ( 84 ) أبو العباس أحمد بن محمد بن عثمان الأزدي المراكشي ( 654 - 724 ) يعرف بابن البناء العددي ؛ ولد بمراكش ، وتعلم بها ، وتوفي بها . وقد أخطأ الأستاذ قدري حافظ طوقان في كتابه : تراث العرب العلمي في الرياضيات والفلك ص 216 ، حيث زعم أنه ولد بغرناطة . وسبب هذا الخطأ أن الأستاذ طوقان يؤرّخ العرب الرياضيين والفلكيين ، ولا يرجع ، عند البحث عنهم ، إلى المصادر العربية التي هي الأصول الأولى لأخبار هؤلاء الأعلام . وتلك بلوى عمّت في زمن يقال إنه عصر النهضة . الدرر الكامنة 1 / 278 ، أحمد بابا ص 65 ، جذوة الاقتباس ص 73 ، الاستقصا 2 / 88 ، مقدمة شرح تلخيص أعمال الحساب تأليف ابن هيدور التازي ( نسخة خاصة ) . ( 85 ) انظر أخباره في تاريخ ابن خلدون 7 / 241 - 243 ، وشذرات الذهب 7 / 167 . ( 86 ) سيأتي حديثه المفصل عن ابن رضوان .